الأخبار
شهدت المواجهة بين المقاومة والعدو الإسرائيلي نقطة تحوّل أمس مع إعلان المقاومة الإسلامية أمس إطلاق عمليات «العصف المأكول»، التي تعكس ترجمة لقرار عسكري - سياسي بالرد على تهجير اللبنانيين من الجنوب والضاحية، من خلال دفع المستوطنين في كل المنطقة الشمالية إلى مغادرة المستوطنات تحت نار الصواريخ التي انهمرت بشكل كثيف منذ مساء أمس، فيما كانت المُسيّرات الانقضاضية تواصل مطاردة الجنود في نقاط تمركزهم الجديدة، وتضرب مراكز القيادة والسيطرة، ما أحدث ارتباكاً كبيراً لدى القيادتين العسكرية والسياسية في كيان العدو، وكان رد العدو بمزيد من التدمير سواء في الضاحية الجنوبية أو في مناطق أخرى، ورفع مستوى التهديد بعملية عسكرية برية كبيرة، مع تطور لافت في تسريبات مصادر العدو التي اشتملت على حديث عن أن إسرائيل سوف تطلب مساعدة أميركية في الحرب على حزب الله، خصوصاً في مناطق البقاع، من دون إغفال التهديد الدائم بضرب بنى تحتية تابعة للحكومة اللبنانية.
ووصفت «القناة 12» العبرية الرشقة الافتتاحية لعمليات «العصف المأكول» بأنها الأوسع منذ انضمام حزب الله إلى الحرب، إذ بلغت أكثر من 100 صاروخ أُطلقت في وقت قصير. وقالت إن إسرائيل «استعدّت لجميع السيناريوات، لكنها فوجئت بهجوم حزب الله، وإطلاقه صواريخ على عمق الأراضي الإسرائيلية منذ البداية»، فيما أكّد مسؤول أمني إسرائيلي كبير أن «الرشقات الصاروخية الأخيرة كانت بتنسيق كامل بين حزب الله وإيران».
وذكرت القناة نفسها أنه «رغم مرور عامين، كان هناك استخفاف بالمعلومات الاستخباراتية المتعلّقة بحزب الله وتحليلها»، وأضافت أن «خلايا حرب العصابات، التابعة لقوة الرضوان ووحدات أخرى في حزب الله، نجحت في التمركز في جنوب الليطاني وهي مُزوّدة بوسائل قتالية، أو تمكّنت من الوصول إلى مخابئ تحتوي على صواريخ مضادّة للدروع، وقذائف هاون، وكذلك صواريخ، رغم أكثر من عام من الغارات الجوية»، لافتة إلى أن «بعض القدرات التي قدّر الجيش الإسرائيلي أن قوات الرضوان فقدتها، تبيّن أنها لا تزال قائمة».
إزاء ذلك، بدأت أصوات تتعالى في تل أبيب مطالِبة بتوسيع العدوان على لبنان ليشمل الدولة اللبنانية وبناها التحتية. ونقل إعلام العدو عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله: «لم يتركوا لنا خياراً، الحملة في لبنان يجب أن تتوسّع. لا يوجد طرف يمكن التحدّث معه في الجانب الآخر». وقال مسؤول أمني آخر إن «الاتجاه هو لتوسيع العملية في لبنان بشكل كبير. لكن لا يتم التوضيح كيف وهل ستكون برية أيضاً، فيما يتم الاستعداد لكل الاحتمالات». مع تركيز مصادر إعلامية عبرية على الحديث عن نية تل أبيب قصف أهداف بنية تحتية تابعة للحكومة اللبنانية، وقالت قناة «كان» إن الحكومة الإسرائيلية تدير حواراً مع الحكومة اللبنانية من خلال وسطاء، مكرّرة الحديث نفسه عن «أنه إذا لم يتحرّك الجيش اللبناني ضد حزب الله، فسيتم استهداف منشآت لبنانية استراتيجية ووطنية».
ورغم النبرة العالية التي حرصت من خلالها حكومة العدو والدوائر الإعلامية والسياسية المقرّبة منها، لم تهدأ الانتقادات والأسئلة النابعة عن مخاوف عميقة حيال واقع المواجهة التي كانت التقديرات الإسرائيلية تشير إلى عكس ما يسجّله الميدان. وطرح عميت سيغال، المقرّب من رئيس حكومة العدو سؤالين مرتبطين بتطورات ليلة أمس: «إذا كنا نعلم بنيّة حزب الله شنّ أعنف قصف منذ بداية الحرب، فلماذا لم نهاجم بقوة؟ لماذا لم نشنّ ضربة مفاجئة؟». وأضاف: «بعد أن قام رؤساء سلطات الشمال، بتصرف صحيح بعدما أُبلغوا من قبل المسؤولين الأمنيين بالهجوم المتوقّع، إلا أن الجيش الإسرائيلي اختار إصدار رسالة تهدئة وإغراقنا في النوم؟». وختم: «بعد أحداث السابع من أكتوبر يقول الجيش إنه يبذل قصارى جهده لاستعادة ثقة الجمهور، لكننا الليلة تراجعنا خطوات أخرى إلى الوراء. يا للأسف».
بدوره، قال المحلّل العسكري آفي يسخاروف إن «حزب الله، للأسف، في وضع أفضل مما كنا نعتقد ولا توجد علامات على التفكّك»، وأضاف أن «(الأمين العام لحزب الله الشيخ) نعيم قاسم الذي سخرنا منه كثيراً، هو زعيم التنظيم ويقوده. وكما يبدو، اتخذت قيادته قراراً واعياً بشن حرب ضد إسرائيل بعد اغتيال خامنئي».
حزب الله في وضع أفضل مما كنا نعتقد ولا توجد علامات على التفكّك
وفي السياق ذاته، قالت «القناة 12» العبرية إن مسؤولاً عسكرياً قال لأعضاء لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إن «حزب الله تلقّى ضربة قاسية في الحرب، لكنه أعاد ترميم قدراته ووصل إلى هذه الحرب بمنظومة قيادة وسيطرة تعمل بشكل كامل، وتمّ شغل المناصب القيادية من جديد، وكانت المنظومة تعمل بشكل كامل مع بداية المعركة». وأضافت القناة أن أعضاء الكنيست تساءلوا كيف ينسجم ذلك مع التقارير التي تلقّوها سابقاً حول الضربات القاسية التي تلقّاها حزب الله، لكن لم تُعطَ إجابة واضحة على تساؤلاتهم.
في الشمال، حيث أعلن المتحدّث باسم جيش العدو أن رئيس الأركان أمر بتعزيز منطقة القيادة الشمالية ونقل لواء غولاني القتالي إليها، يتزايد القلق في المستوطنات التي وضعها حزب الله في مرمى صواريخه. وقالت صحيفة «كالكاليست» العبرية إنه رغم تأكيدات الحكومة الإسرائيلية أن حزب الله تلقّى ضربات قاصمة في الحرب السابقة، ودعوتها الحازمة للعودة إلى المستوطنات «الآمنة» في الشمال، فإن وتيرة إطلاق النار من لبنان تُثبِت أن حزب الله رفع رأسه، وبقوة.
وانعكس هذا الاستنتاج على العديد من المستوطنات الشمالية، ومنها نتانيا التي خلص تقييم لبلديتها إلى إنهاء جميع الأنشطة غير الرسمية، والتوصية بالبقاء قريباً من الملاجئ. بدوره، أكّد رئيس بلدية كريات شمونة، أفيخاي شتيرن أنه «لا يمكننا الصمود لفترة أطول في الشمال بهكذا وضع». وطلب رئيس بلدية نهاريا، رونين مارلي، من سكان المستوطنة تقليل الخروج من المنازل قدر الإمكان. ونشر رئيس المجلس الإقليمي ماتيه آشر في الشمال، موشيه دافيدوفيتش، دعوةً لسكان المجلس للبقاء قريباً من مكان محميّ.
واستهدف مقاتلو حزب الله ضمن سلسلة عمليّات «العصف المأكول» المستوطنات التي سبق التحذير بإخلائها ضمن منطقة 5 كلم من الحدود اللبنانيّة - الفلسطينيّة بعشرات الصواريخ إضافة إلى كريات شمونة ونهاريا. وفي الإطار نفسه استهدف الحزب قاعدة «مسغاف» وشركة «يوديفات» للصناعات العسكريّة شمال شرق مدينة حيفا المحتلّة بعشرات الصواريخ، وقاعدة «عميعاد» شمال بحيرة طبريا، وقاعدة «شمشون» غرب بحيرة طبريا، ومقرّ قيادة المنطقة الشماليّة في جيش العدوّ (قاعدة دادو) وقاعدة عين زيتيم شمال صفد المحتلّة بصليات من الصواريخ النوعيّة.
قبل ذلك، كانت المقاومة قد استهدفت قوة لجيش العدو بعد رصدها تتقدّم باتجاه منطقة الخانوق في بلدة عيترون الحدودية، وتجمّعاً لآليات وجنود العدو في موقع المرج مقابل بلدة مركبا الحدودية، وتجمّعاً في موقع مركبا المُستحدث وآخر قرب موقع المنارة وجنوب مدينة الخيام إضافة إلى استهداف موقع بلاط المُستحدث.

